ابن الجوزي
29
صفة الصفوة
بلغني عن يحيى بن راشد أنه قال : كنا عند عفيرة العابدة فقدم ابن أخ لها كانت طالت غيبته فبشّرت به ، فبكت فقيل لها : ما هذا البكاء ؟ اليوم يوم فرح وسرور ، فازدادت بكاء ثم قالت : واللّه ما أجد للسرور في قلبي مسكنا مع ذكر الآخرة ، ولقد أذكرني قدومه يوم القدوم على اللّه ، فمن بين مسرور ومثبور « 1 » . ثم غشي عليها . 594 - عبيدة بنت أبي كلاب شعيب بن محرز قال : حدثتني سلامة العابدة قالت : بكت عبيدة بنت أبي كلاب أربعين سنة حتى ذهب بصرها . عن يحيى بن بسطام الأصغر قال : حدثني سلمة الأفقم ، وكان ينزل الطّفاوة « 2 » ، قال : قلت لعبيدة بنت أبي كلاب ما تشتهين ؟ قالت : الموت . قلت : ولم ؟ قالت : لأني واللّه في كل يوم أصبح أخشى أن أجني على نفسي جناية يكون فيها عطبي أيام الآخرة . عبد العزيز بن سلمان قال : اختلفت عبيدة وأبي إلى مالك بن دينار عشرين سنة . قال أبي : فما سمعتها تسأل مالكا عن شيء قط إلا مرّة ، قالت : يا أبا يحيى متى يبلغ المتّقي الدرجة العليا التي ليس فوقها درجة ؟ قال مالك : بخ بخ يا عبيدة إذا بلغ المتّقي تلك الدرجة العليا التي ليس فوقها درجة لم يكن شيء أحب إليه من القدوم على اللّه . قال : فصرخت عبيدة صرخة سقطت مغشيا عليها . داود بن المحبّر قال : سمعت البراء الغنوي يقول يوم ماتت عبيدة بنت أبي كلاب : ما خلّفت بالبصرة أفضل منها . عبد اللّه بن رشيد السعدي ، وكان قد صحب عبد الواحد بن زيد ، قال : رأيت الشيوخ والشباب والرجال والنساء من المتعبدين فما رأيت امرأة ولا رجلا أفضل ولا أحسن عقلا من عبيدة بنت أبي كلاب .
--> ( 1 ) أي هالك وخاسر . ( 2 ) الطفاوة قبيلة عربية عدنانية .